📌 *التهنئة برمضان*
حمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومصطفاه ،نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه ،أما بعد :
فهذا بحث مختصر حول: حكم التهنئة بدخول شهر رمضان ،حاولت أن أجمع فيه أطرافه، راجياً من الله تعالى التوفيق والسداد .
وقبل البدء بذكر حكم المسألة لا بد من تأصيل موضوع التهنئة
فيقال : التهاني ـ من حيث الأصل ـ من باب العادات، والتي الأصل فيها الإباحة، حتى يأتي دليل يخصها، فينقل حكمها من الإباحة إلى حكم آخر.
ويدل لذلك ـ ما سيأتي ـ من تهنئة بعض الصحابة بعضاً في الأعياد ،وأنهم كانوا يعتادون هذا في مثل تلك المناسبات .
يقول العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ مبيناً هذا الأصل في جواب له عن حكم التهاني في المناسبات ؟ ـ كما في "الفتاوى" في المجموعة الكاملة لمؤلفاته (348) ـ :
" هذه المسائل وما أشبهها مبنية على أصل عظيم نافع ،وهو أن الأصل في جميع العادات القولية والفعلية الإباحة والجواز ،فلا يحرم منها ولا يكره إلا ما نهى عنه الشارع ،أو تضمن مفسدة شرعية ،وهذا الأصل الكبير قد دل عليه الكتاب والسنة في مواضع، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره .
فهذه الصور المسؤول عنها وما أشبهها من هذا القبيل ،فإن الناس لم يقصدوا التعبد بها ،وإنما هي عوائد وخطابات وجوابات جرت بينهم في مناسبات لا محذور فيها ،بل فيها مصلحة دعاء المؤمنين بعضهم لبعض بدعاء مناسب ،وتآلف القلوب كما هو مشاهد .
و أما الإجابة في هذه الأمور لمن ابتدأ بشيء من ذلك ،فالذي نرى أنه يجب عليه أن يجيبه بالجواب المناسب مثل الأجوبة بينهم ،لأنها من العدل ،ولأن ترك الإجابة يوغر الصدور ويشوش الخواطر .
ثم اعلم أن هاهنا قاعدة حسنة ،وهي : أن العادات والمباحات قد يقترن بها من المصالح والمنافع ما يلحقها بالأمور المحبوبة لله ،بحسب ما ينتج عنها وما تثمره ،كما أنه قد يقترن ببعض العادات من المفاسد والمضار ما يلحقها بالأمور الممنوعة ،وأمثلة هذه القاعدة كثيرة جداً " ا هـ كلامه .
وقد طبق الشيخ ـ رحمه الله ـ هذا عملياً حينما أرسل تلميذه الشيخ عبدالله ابن عقيل خطاباً له في أوائل شهر رمضان من عام 1370هـ ، وضمنه التهنئة بالشهر الكريم فرد الشيخ عبدالرحمن ـ رحمه الله ـ بهذا الجواب في أول رده على رسالة تلميذه : "في أسر الساعات وصلني كتابك رقم 19/9 فتلوته مسروراً ، بما فيه من التهنئة بهذا الشهر ، نرجو الله أن يجعل لنا ولكم من خيره أوفر الحظ والنصيب ، وأن يعيده عليكم أعواماً عديدة مصحوبة بكل خير من الله وصلاح " اهـ كما في "الأجوبة" [280] ، وفي [284] ضمن الشيخ رسالته لتلميذه التهنئة بالعشر الأواخر .
وللشيخ ـ رحمه الله ـ كلام في منظومة القواعد ـ كما في المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي 1/143 ـ يقرر فيه هذا المعنى ،وللمزيد ينظر (الموافقات) للشاطبي 2/212 ـ 246 ففيه بحوث موسعة حول العادات وحكمها في الشريعة .
فإذا تقرر أن التهاني من باب العادات، فلا ينكر منها إلاّ ما أنكره الشرع، ولذا : مرّر الإسلام جملة من العادات التي كانت عند العرب، بل رغب في بعضها، وحرّم بعضها، كالسجود للتحية .
ومما يُستدَل به على جواز ذلك أيضاً : قصة كعب بن مالك رضي الله عنه الثابتة في الصحيحين من البشارة له ولصاحبه بتوبة الله عليهما، وقيام طلحة (رضي الله تعالى عنه) إليه.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ ضمن سياقه لفوائد تلك القصة في "زاد المعاد" 3/585 :
" وفيه دليل على استحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل، ومصافحته ،فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية، وأن الأَوْلى أن يقال: يهنك بما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربّها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها " .
ولا ريب أن بلوغ شهر رمضان وإدراكَه نعمةٌ دينية، فهي أولى وأحرى بأن يُهنّأ المسلم على بلوغها، كيف وقد أثر عن السلف أنهم كانوا يسألون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وفي الستة الأخرى يسألونه القبول ؟، ونحن نرى العشرات ونسمع عن أضعافهم ممن يموتون قبل بلوغهم الشهر .
وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ : " ويحتج لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة، أو يندفع من نقمة : بمشروعية سجود الشكر، والتعزية ـ كذا في الموسوعة الفقهية التي نقلت عنها ـ ، وبما في الصحيحين عن كعب بن مالك ...) نقلاً عن الموسوعة الفقهية الكويتية، 14/99ـ100، وينظر : وصول الأماني، للسيوطي وقد بحثت عن كلام الحافظ في مظنته ولم اهتد إليه ،وينظر : وصول الأماني، 1/83 (ضمن الحاوي للفتاوى ).
⭕️⭕️⭕️
تعليقات
إرسال تعليق
ادرج تعليقك او سؤالك وسيتم الإجابة عليه في اقرب وقت ممكن